العيني
134
عمدة القاري
ليس على قوله : ( فاجعل لنا يوماً ) بل العطف على جميع الجملة ، أعني من قوله : ( غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك ) . قوله : ( يوماً ) ، مفعول ثان : لوعد . قوله : ( لقيهن فيه ) أي : في اليوم الموعود به ، واللقاء فيه إما بمعنى الرؤية ، وإما بمعنى الوصول ، ومحل الجملة الجملة النصب لأنها صفة : ليوماً . ويحتمل أن يكون استئنافاً . قوله : ( فوعظهن ) الفاء فيه فصيحة لأن المعطوف عليه محذوف إي : فوفى بوعدهن ولقيهن فوعظهن . وقوله : ( وأمرهن ) عطف على : وعظهن ، وحذف المأمور به لإرادة التعميم ، والتقدير : فوعظهن بمواعظ ، وأمرهن بالصدقة أو بأمور دينية . ويجوز أن يكون : فوعظهن وأمرهن من تتمة الصفة لليوم . قوله : ( فكان ) الفاء فيه فصيحة . واسم : كان ، هو قوله : ( ما منكن امرأة ) وخبره ، قوله : ( فيما قال لهن ) أي : الذي قاله لهن . وفي رواية الأصيلي : ( ما منكن من امرأة ) ، وكلمة : من ، زائدة لفظاً . وقوله : امرأة ، مبتدأ . ومنكن ، حال منها مقدم عليها ، وخبر المبتدأ الجملة التي بعد آلة الاستثناء ، لأنه استثناء مفرغ ، إعرابه على حسب العوامل ، . فإن قلت : كيف يقع الفعل مستثنى ؟ قلت : على تقدير الاسم ، أي : ما امرأة مقدمة إلا كائناً لها حجاب . وقوله : ( تقدم ) جملة في محل الرفع لأنها صفة لامرأة . وقوله : ( ثلاثاً ) مفعول مقدم ، وكلمة : من ، بيانية . قلت : ( حجاباً ) في رواية الأكثرين هكذا بالنصب ، وفي رواية الأصيلي : ( حجاب ) ، بالرفع . أما وجه النصب فعلى أنه خبر لكان ، واسم كان التقديم الذي يدل عليه قوله : تقدم . وأما وجه الرفع فعلى كون : كان ، تامة على معنى : إلاَّ وقع لها حجاب أو حصل ، أو وجد ونحو ذلك . وفي رواية البخاري في الجنائز : ( إلاَّ كن لها حجاباً ) على تقدير الأنفس التي تقدم ، وفي الاعتصام : ( إلا كانوا لها حجاباً ) أي : الأولاد . قوله : ( واثنين ) ، وهو أيضاً عطف على المنصوب بالتقدير المذكور ، أي : ومن قدم اثنين . قال الكرماني : ومثله يسمى بالعطف التلقيني ، ونحوه في القرآن : * ( إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي ) * ( البقرة : 124 ) . قلت : قال الزمخشري : ومن ذريتي ، عطف على : الكاف ، كأنه قال : وجاعل بعض ذريتي ، كما يقال لك : سأكرمك ، فتقول : وزيداً ، وإنما أورد هذا المثال إشارة إلى جواب عما يقال إن : من ذريتي ، مقول قول إبراهيم ، و : جاعلك للناس ، مقول قول الله تعالى ، فكيف يعطف أحدهما على الآخر ؟ فكأنه أجاب بإيراد المثال المذكور أنه عطف تلقين ، كأنه قال : قل وجاعل بعض ذريتي . بيان المعاني : قوله : ( غلبنا عليك الرجال ) معناه : أن الرجال يلازمونك كل الأيام ويسمعون العلم وأمور الدين ، ونحن نساء ضعفة لا نقدر على مزاحمتهم ، فاجعل لنا يوماً من الأيام نسمع العلم ونتعلم أمور الدين . قوله : ( ثلاثة ) أي : ثلاثة أولاد . فإن قلت : الثلاثة مذكر فهل يشترط أن يكون الولد الميت ذكراً حتى يحصل لها الحجاب ؟ قلت : تذكيره بالنظر إلى لفظ الولد ، والولد يقع على الذكر والأنثى ، وفي بعض النسخ : ثلاثاً بدون الهاء ، فإن صح فمعناه ثلاث نسمة ، والنسمة تطلق على الذكر والأنثى . قوله : ( فقالت امرأة ) هي : أم سليم ، وقيل غيرها والله أعلم . قوله : ( قال : واثنين ) دليل على أن حكم الاثنين حكم الثلاثة لاحتمال أنه أوحي إليه في الحين بأن يجيب ، عليه الصلاة والسلام ، بذلك . ولا يمتنع أن ينزل الوحي . عليه الصلاة والسلام ، بذلك حين السؤال ، ولا يمتنع أن ينزل الوحي على رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، طرفة عين . وقال النووي : ويجوز أن يكون أوحي إليه قبله . وقال أبو الحسن القابسي ، وغيره : قد أخرج البخاري في كتاب الرقاق من حديث أبي هريرة ما يدل على أن الواحد كالاثنين ، وهو قوله ، عليه الصلاة والسلام ، يقول تعالى : ( ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ، ثم احتسبه ، إلاَّ الجنة ) . وأي صفّي أعظم من الولد ؟ قلت : قد جاء في غير الصحيح ما يدل صريحاً على أن الواحد كالاثنين والثلاثة ، وهو ما رواه الترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حصناً حصيناً من النار . فقال أبو ذر ، رضي الله عنه : قدمت اثنين . قال : واثنين . قال أبي بن كعب ، رضي الله تعالى عنه : قدمت واحداً . قال : وواحداً ) . قال ابن بطال وعياض وغيرهما في قول المرأة : ( واثنين يا رسول الله ) ؟ وهي من أهل اللسان دليل على أن تعلق الحكم بعدد ما لا يدل من جهة دليل الخطاب على انتفائه عن غيره من العدد ، لا أقل ولا أكثر . فإن قلت : هل للرجل مثل ما للمرأة إذا قدم الولد ؟ قلت : نعم ، لأن حكم المكلفين على السواء إلاَّ إذا دل دليل على التخصيص . بيان استنباط الأحكام : الأول : فيه سؤال النساء عن أمر دينهن وجواز كلامهن مع الرجال في ذلك ، وفيما لهن الحاجة إليه . الثاني : فيه جواز الوعد . الثالث : فيه جواز الأجر للثكلي . الرابع : قال المهلب وغيره : فيه دليل على أن أولاد المسلمين